الإمام الرافعي عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني الشافعي


الإمام عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم

أبو القاسم الرافعي القزويني الشافعي

(757 هـ - 623هـ)
فراس السقال

المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..

يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، فإن الله حفظ لنا هذا الدين القويم بحفظ القرآن العظيم، ومن علامات الحفظ بأن هيئ لكل أمة حارساً يقظاً، ومرابطاً فذاً يدافع عن حمى ديننا وينافح عنه، بسلاح العلم والعقيدة الراسخة، وتجلت هذه الرجالات بمذاهب علمية عظيمة، المذاهب الأربعة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي)، وفي كل مذهب من هذه المذاهب لمعت نجوم عدة، وبرزت أقمار شتى، أضاءت على العالمين بأنور الفهم والحكمة والفقه، فعمّت فوائد النفع والرشد في كل مكان في هذه المعمورة.

ومن هذه المذاهب المذهب الشافعي، الذي تولى أركانه رجال عظام، حملوا عن شيخهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى علمه، ونشروا فهمه وبثوا أفكاره، حتى غدا مذهبه، أكثر المذاهب انتشاراً واتباعاً في هذا الكوكب.

ومن أركان هذا المذهب الإمام عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الذي يعد من أعمدة وشيوخ القرن الخامس الهجري.

ومن خلال هذا البحث سنلقي الضوء على ترجمة هذا الإمام العلم حيث مولده وحياته وعلمه وشيوخه وتلامذته ومؤلفاته وأفكاره ووفاته.
أرجو الله عز وجل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.

اسمه ونشأته وألقابه
• اسمه:
هو عبد الكريم ابن العلامة محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين الرافعي، القزويني وكنيته أبو القاسم[1]. والده أبو الفضل، محمد بن عبد الكريم بن الفضل الرافعي القزويني. وقال الإمام الرافعي في (أماليه): والدي أبو الفضل، ممن خص بعفة الذيل، وحسن السيرة، والجد في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان وقوة الجنان، والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس والبراعة في العلم، حفظاً وضبطاً وإتقاناً وبياناً، وفهماً ودراية وأداء ورواية. سمع الحديث وتفقه في (قزوين) في صباه، ثم سافر إلى الري، فسمع وتفقه ثم ارتحل إلى بغداد، وحج منها ثم انتقل إلى نيسابور، فحصل على الإمام محمد بن يحيى، وسمع الحديث الكثير. وكان مشايخه يوقرونه لحسن سيره وشمائله ووفور فضله. ولما عاد إلى (قزوين) أقبلت عليه المتفقهة، فدرّس وأفاد وذكر وفسر وروى وأملى وصنف: في التفسير والحديث والفقه، وانتفع به الخواص والعوام. ثم استأثر الله تعالى به في شهر رمضان سنة ثمانين وخمسمائة.[2]


• ألقابه: ويلقب الرافعي بالإمام العالم العلامة، إمام الملة والدين، حجة الإسلام والمسلمين، شيخ الشافعية، عالم العجم والعرب، صاحب الشرح الكبير[3].


• نسبه: قال النووي: ينسب الإمام الرافعي رحمه الله تعالى إلى "رفعان" من أعمال قزوين، وقيل نسبه إلى رافع بن خديج، وقيل إلى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم [4].


مولده ونشأته:
• مولده: ولد الإمام الرافعي في قزوين[5] وهي منطقة في أصبهان، قريبة من الري، وإليها يرجع نسبه القزويني، وكان ذلك في عام (557ه = 1162م)[6].


• نشأته: نشأ الإمام في أسرة مشهورة بالعلم، كان أبوه مفتي الشافعية، وأما والدته فهي صفية بنت الإمام أسعد (الركاني) رحمهما الله، كانت تروي الحديث عن إجازة جماعة من مشايخ أصبهان وبغداد ونيسابور، عني بتحصيل أكثرها: خالها أحمد بن إسماعيل[7]، وكان الرافعي رحمه الله دائم الاشتغال بالعلم والتعليم منذ الصبا، وقد كانت عادة الناس ذلك الحين تعليم الصغار فيما يسمى بـالكُتّاب، لتعليم القراءة والكتابة، قبل الالتحاق بمجلس تعليم الكبار، وقد كان الرافعي يستمع للحديث بالحضور في مجلس والده، الذي كان يرأس مجلس الحديث، وينقل عنه الرواة. وقد تعلم أبو القاسم الرافعي عند والده: [COLOR=**********]محمد بن عبد الكريم[/COLOR]، الملقب بـأبي الفضل، وكان ملازماً لحضور الدروس عند والده، وكان تعليمه عنده أكثر من غيره، فأخذ عنه [COLOR=**********]الفقه[/COLOR]، وتعلمه عنده دراسة وشرحاً وتحصيلاً وتعليقاً، ولم يذكر بعض المترجمين له أنه تفقه على غير والده، قال ابن الملقن: لا أعلم أحداً تفقه عليه غيره. لكن ذكر ابن قاضي شهبة: أنه تفقه على والده وعلى غيره[8].

ولم يكن تعليمه مقصوراً على [COLOR=**********]الفقه[/COLOR]، بل كان يشمل تحصيل مجموعة من فنون العلوم، فكان هناك درس للفقه، ودرس [COLOR=**********]للتفسير[/COLOR] ودرس للحديث، بالإضافة إلى دروس أخرى في [COLOR=**********]اللغة[/COLOR]، وعلم [COLOR=**********]أصول الفقه[/COLOR] وغير ذلك. وقد كان للرافعي اهتمام بتحصيل [COLOR=**********]علم الحديث[/COLOR]، من خلال قراءة متون الحديث، وشروح الحديث، وروايته بالأسانيد، وعلم أصول الحديث ودرايته، وتحصيل أقوال العلماء، وكان يقوم بتلخيص ما تعلمه، وجمع محصلة التعليم في مدونات، أو ما يسمى بـالتعليقات، وهي: كتابة ما يمليه الشيخ وجمعه، وقد تسمى: أمالي، وكان يطلع على ما كان يكتبه والده من تعليقات أو أمالي جمعها والده أثناء دراسته عند مشايخه. كان الرافعي يجيد قراءة الدروس بفصاحة. قرأ على أبيه في سنة تسع وستين وخمسمائة هجرية، وروى عنه وعن عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران الفقيه، وحامد ابن محمود الخطيب الرازي، وأبي الكرم علي بن عبد الكريم الهمذاني، وعلي بن عبيد الله الرازي، وأبي سليمان أحمد ابن حسنويه، وعبد العزيز بن الخليل الخليلي، ومحمد بن أبي طالب الضرير، وروى بالإجازة عن الحافظ أبي العلاء العطار، وعن أبي زرعة طاهر المقدسي، وأبي الفتح ابن البطي، وغيرهم ممن أخذ عنهم الرواية بالقراءة، أو السماع، أو حصل منهم على الإجازة[9].

صفاته وعقيدته وأخلاقه:
• صفاته العلمية:
كان الإمام الرافعي ضليعاً في فنون العلم والشريعة، ويصف بأعلم أهل زمانه، له اختيارات وترجيحات في المقارن ويطلق عليه شيخ الشافعية، فإذا أطلق لقب الشيخين يعني الرافعي والنووي. وكان بارعاً في العلم تقياً صالحاً متواضعاً.[10] عالم في الحديث ورواته، أصولي مجتهد وفقيه عالي الهمة، ومحقق ليس له نظير من كبار علماء السادة الشافعية، شاع صيته بين العرب والعجم.[11] وكان له مجلس للتفسير في قزوين ولتسميع الحديث، وله اهتمامات أدبية فله وقد نظم الشعر فقال:
أقيما على باب الرحيم أقيما
ولا تنيا في ذكره فتهيما
هو الرب من يقرع على الصدق بابه
يجده رؤوفاً بالعباد رحيماً[12]


 عقيدته وأخلاقه وعبادته:
• عقيدته: لقد التزم الرافعي عقيدة الأشاعرة، قال [COLOR=**********]ابن حجر العسقلاني[/COLOR]: وقرأت على الشيخ صلاح الدين قال: رأيت بدمشق سنة أربعين وسبعمائة امرأة حضرت عند قاضي القضاة، [COLOR=**********]تقي الدين السبكي[/COLOR]، (عجمية) فصيحة اللسان، ذكرتْ أنها من نسل الإمام الرافعي، وكانت تحفظ عقيدته التي صنفها، فقرأت منها قطعة، وهي عقيدة بديعة على طريقة أهل السنة، بعبارة فصيحة على عادته رحمة الله عليه[13].

• أخلاقه وعبادته: كان الإمام الرافعي رحمه الله تعالى صاحب نسك وتواضع، ذكر العلماء أنه اتصف بـالورع والزهد والتقى، مشتغلاً بالعلم والعبادة، قال السبكي: وكان (رحمه الله) ورعاً زاهداً تقياً نقياً، طاهر الذيل مراقباً لله له السيرة الرضية المرضية والطريقة الزكية، والكرامات الباهرة.
قال ابن الصلاح: أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله، قلت: لا شك في ذلك.
وقال الإمام النووي رحمه الله: (الرافعي من الصالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة)[14].
وقال الذهبي: وكان من العلماء العاملين، يذكر عنه تعبد ونسك وأحوال وتواضع، انتهت إليه معرفة المذهب[15].

ذكر ابن الملقن أن الرافعي كان متقللاً من الدنيا، وكان البعض لا يعرفه في بداية الأمر لما كان يظهر عليه من التواضع والبساطة. قال [COLOR=**********]ابن الملقن[/COLOR] أيضا: (قرأت على شيخنا صلاح الدين قال: سمعت قاضي القضاة أبا عبد الله محمد ابن عبد الرحمن القزويني تغمده الله بعفوه يحكي عن مشايخ بلده: أن سبب تصنيف الإِمام أبي القاسم الرافعي الشرح الصغير: أن بعض الفقهاء قصد أن يختصر الشرح الكبير، فبلغ ذلك الإمام الرَّافِعي فخاف أَن يفسده عليه بالتغيير، لقصور عبارة ذلك الرجل، فقال له الإِمام أبو القاسم: أَنا أختصِره لك، ولكن لا أقدر على الورق، وكان ذلك الرجل أيضاً فقيراً، فلم يمكنه إلا أن أحضر للإِمام أبي القاسم من الورق المكتوب الذي يباع شيئاً كثيراً، فَكتب الإِمام الشَّرح الصغير في ظهوره حتى أكمله، ثم نقل من تلك الظهور. قلت: وهذه الحكاية مما يدل على زهد الإمام الرافعي، وتقلُّلِهِ من الدنيا([16].


قصة في فضل مراقبته: ونقل السبكي في الطبقات فقال: (أن خوارزم شاه يعني "جلال الدين" غزا الكرج بتفليس في هذه السنة (سنة وفاة الإمام الرافعي) وقتل فيهم بنفسه حتى جمد الدم على يده، فلما مرّ بقزوين خرج إليه الرافعي، فلما دخل إليه أكرمه إكراماً عظيماً فقال له الرافعي: سمعت أنك قاتلت الكفار حتى جمد الدم على يدك، فأحب أن تخرج إلي يدك لأُقبّلها، فقال له السلطان: بل أنا أحب أن أُقبّل يدك، فقبّل السلطان يده، وتحادثا ثم خرج الشيخ وركب دابته، وسار قليلاً فعثرت به الدابة فوقع فتأذت يده التي قبلها السلطان، فقال الشيخ: سبحان الله لقد قبل هذا السلطان يدي فحصل في نفسي شيء من العظمة فعوقبت في الوقت بهذه العقوبة) [17].

إخوته وأولاده وشيوخه وتلاميذه:
• أخوته: أما أخوته كما ذكر في كتاب التدوين، من الذكور الذين تعلموا عند والده، فقال ضمن ترجمته لوالده أبي الفضل: أن ممن تعلم عند أبيه أبنائه الثلاثة وهم: عبد الكريم ابن أبي الفضل، مؤلف كتاب التدوين يعني بذلك نفسه، والثاني: محمد ابن أبي الفضل، والثالث: عبد الرحمن ابن أبي الفضل، ومعنى هذا أن لأبي القاسم الرافعي اثنان من الإخوة الذكور الذين تعلموا عند أبيهم، وهما: محمد وعبد الرحمن،[18]وهذا لا يعني الحصر في هذا العدد، لأنه ذكر منهم الذين تعلموا عند أبيهم، كما أنه ذكر أيضاً عند ذكر والدته أنها كانت تقوم بتربية بناتها[19]، وذكر كذلك عند كلامه على وفاة والده: أن والده ترك أولاداً كانوا صغاراًوقد ذكر ابن الملقن وغيره: أن للرافعي أخ اسمه: محمد، وكنيته أبو الفضائل تعلم عند أبيه، وسمع منه الحديث، تفقه على أبي القاسم ابن فضلان. وحصل على الإجازة من ابن البَطي[20].


• أولاده: ذكر ابن الملقن في كتابه البدر المنير أن للإمام الرافعي رحمه الله من الأولاد ولد ذكر اسمه: محمد، ولقبه عزيز الدين وبنت، ذكر أبو سعد النسوي في (تاريخ خوارزم شاه) أن الإمام الرافعي كانت له بنت، تزوجها رجل من مشايخ (قزوين) وأولدها كثر[21].


شيوخه وتلامذته: • شيوخه: شيوخ أبي القاسم الرافعي كثيرون، فقد تعلم منهم، وروى عنهم، إلا أنه كان لوالده النصيب الأكبر في تعليمه، فقد كان والده يتولى مجالس للتفسير ورواية الحديث، والفقه، والدروس التعليمية، فأخذ عن والده الكثير. ومن شيوخه[22]:
1- والده.
2- خال والدته: أحمد بن إسماعيل الطالقاني.
3- أبو حامد عبد الله ابن أبي الفتوح ابن عثمان العمراني.
4- الخطيب أبو نصر حامد ابن محمود الماوراء النهري.
5- والحافظ أبو العلاء الحسن ابن أحمد العطار الهمذاني.
6- محمد ابن عبد الباقي ابن البطي.
7- والإمام أبو سليمان أحمد ابن حسنويه وغيرهم.
8- أبو بكر الشحاري عبد الله بن إبراهيم.
9- أبو نصر الماوراء النهري.
10- شهردار بن شيرويه.

• تلامذته[23]:
1- ابنه محمد بن عبد الكريم عزيز الدين.
2- الحافظ زكي الدين المنذري.
3- أبو الثناء الطوسي محمود بن أبي سعيد.
4- أبو الفتح القيسي عبد الهادي بن أبي يحيى.
5- ابن السكري فخر الدين بن عبد العزيز.
6- أبو العباس الخوبي أحمد بن الخليل.


مصنفاته وثناء العلماء عليه ووفاته:
• مصنفاته:
1- العزيز في شرح الوجيز.
2- المحرر تلخيص الوجيز.
3- شرح المسند وهو في مجلدين ضخمين.
4- التدوين في أخبار قزوين.
5- التذنيب مجلد لطيف يتعلق بالوجيز.
6- الأمالي في مجلد.
7- الإيجاز في أخطار الحجاز.
8- الشرح المحمود على الوجيز وصل فيه إلى الصلاة في مجلدات ثم عدل عنه[24].


• جهوده:
أربع قرون بين وفاة الإمام الشافعي رحمه الله وظهور الإمام الرافعي رحمه الله تعالى، ولقد حفلت هذه الفترة بكثير من العلماء من تلاميذ الشافعي رحمه الله قام بواجبهم على أكمل وجه في نشر المذهب، وإرساء قواعده على أحسن ما يرام، ومن هؤلاء الإمام الحجة الغزالي أبي حامد رحمه الله، فقد ألف كتابه الوجيز الذي هو مختصر الوسيط قام الإمام الرافعي رحمه الله بشرح الوجيز في كتاب فتح العزيز، ثم قام باختصار الوجيز أيضاً في كتاب المحرر، الذي غدا عمدة المذهب الشافعي بعد أن اعتنى به الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فاختصره في المنهاج.


ولا شك بأن محرر المذهب الإمام الرافعي له فضل كبير ويد بيضاء في تنقيحه للمذهب، فكان حفظه بذلك وقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (وكانت مصنفات أصحابنا رحمهم الله في نهاية من الكثرة، فصارت منتشرات مع ما هي عليه من الاختلاف في الاختبارات، فصار لا يحقق المذهب من أجل ذلك إلا أفراد من الموفقين الغواصين المطلعين أصحاب الهمم العاليات، فوفق الله سبحانه وتعالى وله الحمد من متأخري أصحابنا من جميع من جمع هذه الطرق المختلفات، ونقح المذهب أحسن تنقيح، وجمع منتشره بعبارات وجيزات، وحوى جميع ما وقع له من الكتب المشهورات، وهو الإمام الجليل المبرز المتضلع من علم المذهب أبو القاسم الرافعي ذو التحقيقات فأتى في كتاب (شرح الوجيز) بما لا كبير مزيد عليه من الاستيعاب مع الإيجاز والإتقان وإيضاح العبارات)[25].


فلو تمعّننا في مراجع السادة الشافعية الفقهية لرأينا مدارها جميعاً على مصنفات الإمام الرافعي رحمه الله تعالى، ومن بعده الإمام النووي رحمه الله تعالى. ففضل الإمام كبير عظيم، ومصنفاته مشرقة بيننا، فلا يمكن لأحد أن ينكر جهده وبذله وعمله الميمون المشكور.


طريقته في التدليل:
إن الإمام الرافعي رحمه الله من أبرز محققي الشافعية، فقد أبدى اهتماماً كبيراً بدراسة المذهب الشافعي، ويعد عند [COLOR=**********]الفقهاء[/COLOR] بدرجة مجتهد في المذهب، وحصلت اجتهاداته على القبول والإقرار في الأوساط العلمية، واعتمدت في القضاء والإفتاء والتعليم، وأصبحت كتبه ضمن المراجع المعتمدة في مذهب [COLOR=**********]الشافعية[/COLOR]، وكان له:
• تحقيقات إضافية في الفقه المقارن.
• مسائل الخلاف المتشعبة، وجمع الأقوال المتفرقة والطرق المختلفة.
• وقام بتنقيح المذهب، وتحرير الأقوال والآراء والوجوه والطرق.
• تحقيق القول المعتمد أو الراجح في مذهب [COLOR=**********]الشافعية[/COLOR]، وجمع طرقه بعبارات موجزة.
• كانت له استدلالات وترجيحات للأقوال وفق الأدلة التي استند إليها، ولم يقتصر على الترجيح في مسائل الخلاف، بل عمل على تحرير المذهب وتنقيحه.
• مهد الطريق لمن يأتي بعده، وقد سار على منواله [COLOR=**********]النووي[/COLOR] في منهج الترجيح والتصحيح.
• وكان الإمام الرافعي من أول العلماء الذين استخدموا المصطلحات الفقهية.
• وكانت ترجيحاته واختياراته تبنى على منهج الاستدلال والتصحيح وفق ما يقتضيه الدليل.
• ويعد الرافعي من أوائل متأخري الشافعية.

وكان لمتقدمي الشافعية قبل فترة الرافعي مجهودات في نقل المذهب ودراسته، والبحث فيما يستجد، وكانت هناك مراجع هامة من كتب المتقدمين مثل:
• كتاب الأم للشافعي.
• ومختصر المزني.
• ثم بعد ذلك الحاوي الكبير للماوردي.
• ثم المهذب للشيرازي.
• ونهاية المطلب لإمام الحرمين.
• ثم كتب أبي حامد الغزالي.

وكان تعدد الأقوال يستدعي الجمع بين الطرق، وتحديد الراجح للعمل والفتوى، وقد حاول إمام الحرمين توحيد الطرق المتعددة، وتبعه تلميذه الغزالي، من خلال كتاب البسيط.

وقد عمل الرافعي بعد ذلك على توحيد طريقتي العراقيين والخرسانيين والطرق والأوجه المختلفة، من خلال:
• جمع مواضع الخلاف.

• واستعراض أدلتها والترجيح بحسب قوة الدليل، وتحديد مراتبها حينما يكون هناك قول ضعيف وقوي وأقوى، أو راجح وأرجح.

• وبيان ما هو في أصل المذهب، أو من قول الشافعي، أو من كلام الأصحاب، أو ما عليه الأكثرون أو ما عليه الفتوى ليكون العمل والفتوى على الراجح عند قوة الدليل، إذ أن تعدد الأقوال في المسألة الواحدة قد يؤدي إلى تشتيت الفكر عند العامة، ووقوعهم في إشكال أو حرج.

• كان للرافعي اطلاع على كتب السابقين في المذهب، ورواية الأوجه والطرق في المذهب والمذاهب الأخرى وما فيها من أقوال وآراء وجمع ما تفرق منها، وقد استفاد الرافعي من والده الذي كان متضلعاً في الفقه والحديث بالإضافة إلى مشائخه الآخرين، وإلى عمله في نقل الأقوال والتفسير وروايته للحديث والتدريس والفتوى. قال عنه ابن الملقن: (وكان رحمه اللهَّ طاهر اللسان فِي تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز فِي النقول، فلا يُطلق نقلاً عن أحد إلا إِذا وقف عليه من كلامه، فإن لم يقف عليه؛ عبَّر بقوله: وعن فلان كذا). وذكر عنه: أنه كان شديد الاحتراز في مراتب الترجيح، فيقول تارة: على الأصح، وتارة يقول: عند الأكثرين أو: عند فلان، وأحياناً يعبر عما هو من جهته فيقول مثلاً: الأحسن، والأعدل، والأشبه، والأمثل، والأقرب، والأنسب، أو ينبغي كذا[26].

وقد جاء النووي من بعده، وحذا حذوه في التحقيق والترجيح، وكانت له اجتهادات واختيارات جمعها في [COLOR=**********]كتبه[/COLOR]، وتعد كتب الرافعي [COLOR=**********]النووي[/COLOR] من أهم المرجع المعتمدة عند متأخري الشافعية في [COLOR=**********]الفقه الشافعي[/COLOR] والعمدة في تحقيق المذهب، والمعتمد لدى المفتي وغيره. قال ابن النقيب، في مقدمة كتاب "عمدة السالك": (هذا مختصر على مذهب الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه ورضوانه، اقتصرتُ فيه على الصحيح من المذهب عند الرافعي والنووي، أو أحدهما، وقد أذكر فيه خلافاً في بعض الصور، وذلك إذا اختلف تصحيحهما، مقدماً لتصحيح النووي جازماً به، فيكون مقابله تصحيح الرافعي)[27].

ثناء العلماء عليه: للإمام الرافعي مكانة رفيعة ودرجة مرموقة ذكرها العلماء، فقد قال عنه ابن قاضي شهبة: (صاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور وإليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذه الأعصار في غالب الأقاليم والأمصار)[28].


وقال الإسفراييني: (هو شيخنا إمام الدين وناصر السنة صدقاً كان أوحد عصره في العلوم الدينية أصولاً وفروعاً، ومجتهد زمانه في المذهب، وفريد وقته في التفسير)[29].
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (إنه كان من الصالحين المتمكنين وكانت له كرامات كثيرة ظاهرة[30]).
وقال ابن الصلاح فيه: (أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله كان ذا فنون حسن السيرة جميل الأمر)[31].


وقال الذهبي رحمه الله: (ويظهر عليه اعتناء قوي بالحديث وفنونه في شرح المسند)[32]. وفي الأرجوزة[33]:
والسادس الفخر الإمام الرازي*** والرافـعيُّ مـثله يوازي
وفاته:
وهكذا أسدل الموت ستار هذه الترجمة على عالم الشافعية ومرجع العلماء وعمدة المفتين الإمام الرافعي رحمها الله تعالى، وفجعت الأمة بفقده. قال أبو عبد الله الصفار الإسفراييني: توفي الإمام الرافعي رحمه الله تعالى وجعل الجنة مأواه في حدود سنة ثلاث وعشرين وستمائة ودفن بقزوين. وكذا أرخه القاضي شمس الدين بن خلكان، وأفاد بأنها كانت في ذي القعدة. وقال الشيخ تقي الدين بن الصلاح: بلغنا بدمشق وفاته سنة أربع وعشرين وستمائة، وكانت وفاته في أوائلها، أو في أواخر السنة التي قبلها بقزوين.[34]


الخاتمة
وهكذا وبتوفيق الله عز وجل أنهينا هذه الدراسة الممتعة، لعلامة فذ ونجم لامع من نجوم المذهب الشافعي، الإمام عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني رحمه الله تعالى المتوفى 623هـ في قزوين، وقد تشرفنا بالتعرف عن قرب عليه، والاستزادة من حاله مع العلم وطلبه، وسعيه الحثيث لإخراج أصول السادة الشافعية على أحسن وجه، بعد تنقيحها وشرحها وإلباسها حلة السهولة وعمق الفهم، فقد غدت كتبه العظيمة عمدة الشافعية الأول، ومرجعهم الأكبر، بعد أن أكمل الإمام النووي رحمه الله ما بدأه الرافعي، فأصبحت كتب الأمام للشافعي سلسلة ذهبية تناقلها نجم عن نجم حتى وصلت إلينا بأجلى هيئة وأبهى حلة، وهذا السرد الممتع في ترجمة علامة الفقه وشيخ الشافعية الإمام الرافعي، يتبين لدينا أن معين أمتنا لا ينضب من العلماء العاملين والفقهاء المخلصين، فأمتنا أمة ولادة، فأفول نجم من نجومها، يأذن بولادة نجم آخر، نرجو الله تعالى أن يخلف لنا خير الخلف لخير سلف، رحم الله الإمام الرافعي وبارك لنا في علمائنا الأبرار وأنار سبلهم كما أضاء طرق السابقين إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.
وكتبه فراس رياض السقال الأربعاء /ليلة النصف من شعبان / 1438هـ 10/5/2017م
المصادر والمراجع:
1- أرجوزة تحفة المهتدين بأخبار المجددين - جلال الدين السيوطي
2- الأعلام للزركلي،، دار العلم للملايين ط15-2002.
3- البدر المنير لابن الملقن، تحقيق مصطفى أبو الغيط، دار الهجرة السعودية، ط1
4- التدوين في أخبار قزوين للرافعي، دار الكتب العلمية، 1978م
5- روضة الطالبين للنووي، مقدمة الكتاب، دار ابن حزم، ط1 بيروت.
6- سير أعلام النبلاء للذهبي، دار الحديث القاهرة، 2006
7- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد العكري دار ابن كثير ط1
8- طبقات الشافعية الكبرى للسبكي دار هجر، ط2.
9- طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة،، عالم الكتب بيروت ط1.
10- طبقات الشافعيين لابن كثير، مكتبة الثقافة الدينية.
11- طبقات المفسرين للداودي، دار الكتب العلمية بيروت.
12- عمدة السالك وعدة الناسك لابن النقيب - ط1 - الشؤون الدينية قطر.
13- فوات الوفيات لمحمد شاكر دار صادر بيروت.
14- مجلة كلية العلوم الإسلامية، حياة الإمام أبي القاسم الرافعي وجهوده العلمية، لشيروان ناجي الشهرزوري، العدد 30 بغداد.
15- معجم البلدان للحموي دار صادر بيروت ط2
16- معجم المؤلفين عمر بن رضا كحالة، دار إحياء التراث العربي بيروت.
17- موسوعة الأعلام، ملف غير مطبوع.
18- الوافي بالوفيات للشقيري، دار إحياء التراث بيروت 2000م
19- الوفيات والأحداث لياقوت الحموي الكتاب مرقم ألي وغير مطبوع.


[1] انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ج16/ ص197، وفوات الوفيات لمحمد شاكر ج2/ ص376، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ج8 / ص281. وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، ج2 / ص75. طبقات المفسرين للداودي، ج1/ ص 341. الأعلام للزركلي، ج4 /ص55، ومعجم المؤلفين عمر بن رضا كحالة ج6/ص3. الوفيات والأحداث لياقوت الحموي ج1/ ص139. موسوعة الأعلام ج1/ص222، ملف غير مطبوع.
[2] انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ج6/ ص131، ط2، والبدر المنير، ج1/ ص337.
[3] انظر: الوافي بالوفيات للشقيري، ج19/ ص63.
[4] انظر: طبقات الشافعيين لابن كثير، ج1/ص 814.
[5] قزوين: مدينة فارسية في إيران بينها وبين الري سبعة عشر فرسخاً. انظر: معجم البلدان للحموي ج4/ص342.
[6] انظر: مجلة كلية العلوم الإسلامية، حياة الإمام أبي القاسم الرافعي وجهوده العلمية، لشيروان ناجي الشهرزوري، العدد 30 بغداد.
[7] انظر: البدر المنير لابن الملقن، ج1/ ص337.
[8] انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ج2 / ص75.
[9] انظر: سير أعلام النبلاء، ج16/ ص197.
[10] انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد العكري، ج7 /ص187.
[11] انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، ج6 / ص131.
[12] انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، ج2/ ص75.
[13] انظر: البدر المنير، ج1 / ص336.
[14] انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي - ج8- ص283.
[15] انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي - ج16 - ص197.
[16] انظر: البدر المنير لابن الملقن - ج1- ص330.
[17] انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي - ج8 -ص284.
[18] انظر: التدوين في أخبار قزوين للرافعي - ج1 - ص328.
[19] انظر: البدر المنير لابن الملقن - ج1 - ص343.
[20] انظر: المصدر السابق.
[21] انظر: المصدر السابق.
[22] انظر: مجلة كلية العلوم الإسلامية، حياة الإمام أبي القاسم الرافعي وجهوده العلمية، لشيروان ناجي الشهرزوري، العدد 30 بغداد
[23]انظر: المرجع السابق:
[24] انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، ج8 / ص281.
[25] انظر: روضة الطالبين للنووي، مقدمة الكتاب ص 6، دار ابن حزم، ط1 بيروت.
[26] انظر: البدر المنير لابن الملقن - ج1 - ص329، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ج2 - ص76.
[27] انظر: مقدمة كتاب عمدة السالك وعدة الناسك لابن النقيب - ص7- ط1 - الشؤون الدينية قطر.
[28] انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، ج2/ص75
[29] انظر: المصدر السابق.
[30] انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ج16/ص197.
[31] انظر: المصدر السابق.
[32] انظر: المصدر السابق.
[33] أنظر: أرجوزة تحفة المهتدين بأخبار المجددين - جلال الدين السيوطي.
[34] انظر: المرجع السابق - وطبقات الشافعيين لابن كثير الدمشقي - ج1- ص814- مكتب الثقافة الدينية - والبدر المنير ج1- ص337.

http://www.alukah.net/culture/0/117613/

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/117613/#ixzz4lTGgsUCU